122. القرآن والبيان النبوي والمرويات — مساءلة المرجعية واختبار اللسان

القرآن والبيان النبوي والمرويات — مساءلة المرجعية واختبار اللسان

يعرض المؤلف قراءته لعلاقة القرآن بالبيان النبوي والمرويات، ومسائل المرجعية والتشريع والتدوين واختبار الدلالة. ما يقدمه من تأويلات وأحكام تاريخية يُقرأ بوصفه أطروحة المؤلف، لا نصًا قرآنيًا. الإنجليزية ترجمة مفاهيمية مختصرة.

النسخة الإنجليزية مختصرة ومفاهيمية، وليست ترجمة حرفية كاملة؛ يبقى النص العربي المرجع الأساسي للتفصيل والإحالات.

TXT Word — Google Drive PDF — Google Drive

قراءة PDF داخل الموقع / Read the PDF on this website

جارٍ تجهيز القارئ… / Preparing the reader…

ملخص الكتاب وفهرسه الموضوعي (مقتطف نصي للفهرسة والبحث)



القرآن والبيان النبوي والمرويات

مساءلة المرجعية واختبار اللسان

ناصر ابن داوود

1 المقدمة: كفاية القرآن وكمال التشريع

يطرح هذا الكتاب تساؤلاً جوهرياً يلاحقنا في كل مجلس وتعليق، وأشهر صوره هو: كيف ستصلي وكيف ستصوم وكيف ستحج إن تركت التراث؟ إن هذا السؤال يُطرح بثقة عجيبة، دون أن ينتبه قائله إلى أنه يبني سؤاله على مقدمة خطيرة لم يُصرح بها، وهي أن كتاب الله ناقص ويحتاج إلى مصدر آخر ليكمله.

وهنا نعود إلى نقطة الفصل، فقد نفى الله سبحانه هذا النقص نفياً قاطعاً، حيث قال تعالى: "مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ". ولم يقل "في معظم الأشياء" ولا "في أصولها"، بل استخدم صيغة "من شيء" التي تستغرق كل شيء وتغلق كل ثغرة.

ويزيد الأمر بياناً وتأكيداً قوله تعالى: "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ". فالقرآن ليس ألغازاً تنتظر من يفك رموزها، ولا يُعقل في ميزان العدل الإلهي أن يُعلِّق الله مصير عباده الأبدي بذاكرة راوٍ أو ترجيح عالم خالفه عالم آخر. إن الحجة يوم القيامة يجب أن تكون بينة وواضحة، وتصل إلى كل إنسان بلا واسطة.

ولذلك حسم الله الأمر بنفسه، فقال: "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ"، وكررها أربع مرات في سورة واحدة ليقطع الطريق على كل من يزعم أن الكتاب عسير ويحتاج إلى وسطاء. فالقرآن هو الكتاب المبين المفصل الذي يسر الله فهمه للذكر، ولا يحتاج إلى وسطاء لفهم أحكامه.

إن ترك التراث ليس استهانة بجهود من كتبوه، بل هو رفض لجعله مصدراً موازياً للتشريع في الحلال والحرام مع كتاب الله المحفوظ. فشتان بين أن يُقرأ الشيء للاستفادة، وبين أن يُشرع به وتُبنى عليه أحكام دينية.

ويقال لنا أحياناً إن القرآن مجمل ويحتاج إلى من يُفصله، لكن الله نسب التفصيل إلى ذاته، فقال: "أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا". فمن ذا الذي يجرؤ على القول إن تفصيل الله ناقص؟

ولذلك، فإن الدعوة هنا ليست لتقليد أحد، بل لفتح كتاب الله وعرض كل ما يصلنا عليه؛ فما وافقه فهو الحق، وما خالفه فيُرد. فأخطر ما يمكن أن يُشهد به علينا هو هجر هذا الكتاب، والهجر ليس مجرد ترك تلاوته، بل أن نجعله للبركة ونعتمد في التشريع على غيره.

2 الفصل الأول: الفجوة الزمنية وغياب التدوين

يقف العقل المتدبر أمام حقيقة تاريخية لا ينكرها أحد، وهي أن النبي عليه السلام توفي في السنة الحادية عشرة للهجرة، بينما لم يبدأ تدوين ما يسمى بـ "السنة" إلا بعد فترة زمنية شاسعة. فإذا تتبعنا تواريخ ميلاد من جمعوا هذه الروايات، نجد أن أولهم لم يولد إلا بعد 183 سنة من وفاة النبي عليه السلام، وآخر وُلد بعد 195 سنة، وغيره بعد 198 سنة. نحن لسنا أمام فجوة تقدر بعشر سنوات أو عشرين، بل أمام قرنين كاملين، أي ما يعادل ستة أجيال بشرية متتابعة تناقلت هذا الموروث بالذاكرة وحدها قبل أن يُكتب.

إشكالية النقل الشفهي وهشاشة الذاكرة إن غياب التدوين طوال هذه القرون يطرح تساؤلاً جوهرياً: أين الوثائق والمخطوطات الأصلية التي يجب أن تقابل الآلاف من الأحاديث المروية بشهودها وتواريخها؟. إن الاعتماد الكلي على النقل الشفهي يجعله عرضة للتحريف؛ فلو حدثت رجلاً ذكياً بقصة من سطرين، ونقلها إلى شخص آخر بعد خمس دقائق فقط، لتغير فيها شيء يسير من غير قصد. فكيف بنقل استمر مائتي عام وعبر عشرات الأشخاص في كل سلسلة؟. علاوة على ذلك، فإن البشر بطبيعتهم يتغيرون، فقد يكون الراوي صادقاً في شبابه كاذباً في شيخوخته، أو أميناً ثم يضعف تحت ضغط السلطة أو إغراء المال. وأي نظام يبني ثقته على صدق أشخاص غير معصومين عبر القرون هو نظام هش لا يمكن أن يُبنى عليه دين سنحاسب عليه يوم القيامة.

لغز خطب الجمعة المفقودة والانتقاء في النقل من أقوى الأدلة على أن هذا النقل لم يكن حفظاً أميناً وتاماً، هو قضية "خطب الجمعة". لقد فرضت صلاة الجمعة طوال ما يقارب عشر سنوات، مما يعني أن النبي ألقى نحو 480 خطبة جمعة أمام المئات من المسلمين في أهم موقف توجيهي أسبوعي. ومع ذلك، لو فتحت كل مراجع التراث فلن تجد خطبة جمعة واحدة كاملة مكتوبة للنبي عليه السلام. وفي مفارقة عجيبة، غابت الخطب العلنية التي قيلت أمام الجموع، بينما امتلأت المراجع بتفاصيل الخصوصيات وما كان يجري خلف أبواب بيت النبي. إن هذا يثبت بوضوح أن العملية خضعت لاختيار وانتقاء مقصود، ينقل فيه الراوي ما يخدم غاية معينة ويحذف ما لا يخدمها.

المقابلة بين المحفوظ إلهياً والمتروك للبشر تتجلى الحقيقة ساطعة حين نقارن بين مسار الكتاب الذي تكفل الله بحفظه، ومسار الروايات التي تركها الناس لأنفسهم.

● مسار الكتاب: تكفل الله بجمعه وقرآنه وبيانه، فقال: "إن علينا جمعه وقرآنه". ولم يترك الله كتابه للذاكرة وحدها، بل نزل نصاً مكتوباً يتلى من "صحف مطهرة"، وهو "كتاب مسطور في رق منشور". ولهذا السبب تجد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يقرأون مصحفاً واحداً لا يختلف في حرف.

● مسار الروايات: تُرِك للناس وللنقل الشفهي، فوصل إلينا ركاماً من النصوص المتضاربة التي يصححها عالم ويضعفها آخر، ولا يتفقون على عددها ولا على متونها. فلو كانت هذه الروايات وحياً ثانياً وتتمة للدين كما يزعمون، لحفظها الله كما حفظ نصف دينه الآخر، فالله لا يتعهد بحفظ نصف الدين ويترك النصف الآخر للضياع والاختلاف.

ولو كانت هذه الأحاديث جزءاً لا يتجزأ من تمام الدين، لكان النبي عليه السلام -وهو أحرص الناس على أمانة البلاغ- قد أمر بجمعها وكتابتها بنفسه ولم يتركها مبعثرة في الصدور. إن هذا الواقع التاريخي الموثق في كتبهم يوجب علينا الالتزام بالقاعدة القرآنية: "ولا تقف ما ليس لك به علم"، لأن الرواية التي عبرت ستة أجيال بلا تدوين لا ترقى أبداً إلى اليقين، ودين الله لا يُبنى إلا على اليقين المطلق.

3 الفصل الثاني: رواد التدوين والقادمون من بلاد فارس

عندما نتأمل في أسس التراث الذي يُقدَّم لنا اليوم كشطر ثانٍ للدين، تواجهنا حقيقة تاريخية لا ينكرها أحد، ولكن قلة من يتوقف عند دلالاتها العميقة. إن الكتب الستة الأساسية التي بُني عليها التراث، والتي يعتبرها الكثيرون أصح الكتب بعد القرآن، أصحابها ومؤلفوها جميعاً من خارج الجزيرة العربية، بلا استثناء. بل إن المصدرين اللذين يُقال عنهما إنهما "أصح كتابين بعد كتاب الله"، وُلدا ونشآ وتعلما في بلاد فارس، ولم يكونا عربيين، ولم يعيشا في بيئة البعثة ولا في محيطها.

لماذا غاب أهل مكة والمدينة عن تدوين دينهم؟ هنا يتساءل العقل المنطقي ويتوقف طويلاً: أليس من عاصر الأحداث، وعاش في بيئتها، وتكلم بلغتها، أولى بنقلها ممن جاء من خارجها بعد أجيال وقرون؟ لماذا لم يقم العرب، وهم أهل مكة والمدينة الذين عاصروا التنزيل وتحدثوا لغة القرآن بلسانهم الأم، بتدوين دينهم بأنفسهم؟ لماذا انتظروا قرنين من الزمان ليأتي أناس من بيئات بعيدة، ليجمعوا لهم ما يُقال إنه "نصف دينهم"؟